لماذا حُظر القوميين الأتراك في فرنسا

لماذا حُظر القوميين الأتراك في فرنسا

اندلعت احتجاجات في فرنسا في الأسبوع الأخير من شهر أكتوبر/تشرين الأول، واشتعلت احتجاجات في فيينا وديسين شاربيو وديجون، ووقعت هجمات إرهابية في البلاد يوم الخميس.

وتفترض الحكومة أن جماعة "الذئاب الرمادية" القومية التركية تقف وراء الاحتجاجات والمذابح.

حلل محرري قناتي تلغرام "الجمهورية الخامسة" و"ريبار" "الأثر التركي" في الاحتجاجات الفرنسية وحاولا فهم إلى أي مدى الحظر على المجموعة مبرر في فرنسا.

الإرهاب الفرنسي المعاصر

بدأ تاريخ الهجمات الإرهابية الفرنسية قبل خمس سنوات، في يناير 2015، عندما تعرضت مجلة "شارلي إيبدو" الساخرة، التي نشرت مرارا وتكرارا رسوما كاريكاتورية مناهضة للإسلام، لهجوم من قبل مسلمين جزائريين، الأخوين سعيد والشريف كواشي، اللذين أعلنا انتمائهما إلى تنظيم "القاعدة" (منظمة إرهابية محظورة في روسيا)، وفي وقت لاحق تحمل تنظيم "داعش"، (المحظور في روسيا) مسؤولية ما حدث أيضا.

بعد أسبوع من الهجوم الإرهابي، أصدرت "شارلي إيبدو" عددا جديدا لها في ذكرى المأساة. على الغلاف كان هناك رسم كاريكاتوري آخر للنبي محمد.

وتسبب الحادث في ردود فعل متباينة في الدول الإسلامية. حيث أدان الجميع الهجوم على مكتب التحرير. وفي نفس الوقت لم يكونو في الدول الاسلامية سعدائا باعادة المجلة نشر المجلة للكاريكاتورات من جديد.

تعليقا على ذلك، انتقدت الصحف الإيرانية  الرئيس الفرنسي واتهمته بالتصرف بشكل غير مقبول، في دفاعه عن حرية التعبير بعد الهجمات الإرهابية، ووصفت الرسوم الكاريكاتورية المنشورة بأنها "مسيئة للاسلام".

وعلى الصعيد نفسه نشرت حركة طالبان الأفغانية، مستغلة صمت وسائل الإعلام الرسمية في كابول، بيانا على موقعها في شبكة الإنترنت، وصفت فيه عمليات القتل بأنها "جرس إنذار لمن أهانوا الإسلام والنبي في الماضي"، لكنهم لم يجرؤوا على دعم الهجوم بشكل علني.

نددت تركيا والجزائر والمغرب وتونس بالهجوم الإرهابي، لكنها انتقدت إصدار العدد الجديد من صحيفة "شارلي إيبدو". وبالمناسبة، شارك ملك الأردن وزراء من تركيا والجزائر ومصر والمملكة العربية السعودية في مسيرة باريس للوحدة تكريما لضحايا الهجمات الإرهابية، بينما رفض ممثلو المغرب المشاركة في المسيرة.

في عام 2020، قررت شخصيات من "شارلي إيبدو" تكرار "عملهم" الفني.

خلاف مع تركيا

تسبب مقتل المعلم في غضب شعبي واسع – حيث قال الرئيس إيمانويل ماكرون في حفل وداع وطني لباتي، إن الإسلاميين يريدون السيطرة على مستقبل فرنسا ولم يكتفي بعدم إدانة الرسوم الكاريكاتورية المهينة، بل دعا أيضا إلى محاربة الانفصالية الإسلامية.

لماذا حُظر القوميين الأتراك في فرنسا

أحدثت هذه الكلمات عاصفة من السخط ليس فقط من قبل مسلمي فرنسا، ولكن بل من قبل ممثلي العالم كله. في مقدمة المحتجين ، كما هو الحال دائما، كانت تركيا والرئيس رجب طيب أردوغان، الذي قال عن رئيس الدولة الفرنسية انه "من الواضح أنه غير سليم عقليا - وإلا كيف يمكن تفسير مشاكله مع الإسلام والمسلمين"؟

في 28 تشرين الأول /أكتوبر، أصدرت "شارلي إيبدو" رسوما كاريكاتورية جديدة - هذه المرة لم يكن النبي هو من "جذب" اهتمام الفنانين، بل أردوغان نفسه. الرئيس التركي الذي يشعر بأنه مختار من الله، في خطوة تصعيدية قدم الرئيس التركي شكوى ضد الصحيفة الفرنسية إلى مكتب المدعي العام في أنقرة.

وفي 29 أكتوبر، الساعة 09:30، اقتحم شاب مسلح بسكين كنيسة نوتردام بالقرب من محطة قطار نيس وقتل ثلاثة أشخاص.

لماذا حُظر القوميين الأتراك في فرنسا

مذابح تركية

إذا كان مقتل ثلاثة أشخاص في نيس قد جذب انتباه المجتمع الدولي، فإن ما يحدث الآن في فرنسا هي مذابح تركية.

في 28 أكتوبر هاجم قوميون أتراك بالسكاكين والفؤوس المتظاهرين الأرمن مطالبين بالاعتراف باستقلال ناغورني كاراباخ، وتمكنوا من إصابة أحدهم.

في 29 أكتوبر في ليون وفي 30 أكتوبر على بعد 40 كم جنوب فيينا، شن مئات الأتراك "حملة عقابية" على المناطق الأرمنية. وأفاد شهود عيان أن القوميين الأذربيجانيين انضموا إليهم.

ولوحت مجموعات من الشباب بالأعلام التركية، مظهرين للجميع علامة منظمة "الذئاب الرمادية" اليمينية المتطرفة، ورددوا بشكل مستمرعبارة "الموت للأرمن!".

 

في الوقت نفسه، وقعت مذابح في فيينا النمساوية: حيث حطم مجموعة من الأتراك كنيسة القديس أنطونيوس بادوا الكاثوليكية مطلقين صرخات "الله أكبر!" وحطموا المقاعد وحطموا جرن المعمودية ودمروا كبينة الاعتراف، بعدها اتصل الكهنة بالشرطة، ولكن المهاجمون اختفوا قبل وصول رجال الشرطة الى المكان.

في 2 نوفمبر، أعلن وزير الداخلية الفرنسي، جيرالد دارمانان أن أنشطة "الذئاب الرمادية" ستحظر في البلاد.

من ناحية أخرى، كيف يمكنك منع شيء غير موجود رسميا؟

"لا يحل المشاكل"

وقالت السياسية الفرنسية ماري لوبان على "تويتر" إن قرار وزير الداخلية "لا يحل المشكلة"، لأنه من المستحيل حظر أنشطة مجموعة غير موجود رسميا في فرنسا. وأوصت لوبان بلفت الانتباه إلى "ميلي غوروس"، وهي حركة دينية وسياسية تضم 71 مسجدا و10 مدارس "تركية" في جميع أنحاء فرنسا.

تعود العلامات الأولى لمؤيدي أيديولوجية "الذئاب الرمادية" في فرنسا إلى بداية عام 1991: حيث بدء نشاطهم تحت ستار حفلة ​​تركية اقيمت في منطقة موسيل بالقرب من ميتز، مؤيدو "الذئاب الرمادية" وصلوا الى فرنسا من ألمانيا.

تعد ألمانيا اليوم موطنا لأكبر جالية تركية في العالم - 2 مليون شخص. تحتل فرنسا المركز الثاني: 700 ألف انتقلوا إلى الجمهورية الخامسة. إن القول بعدم وجود مؤيدين لـ "الذئاب الرمادية" بينهم - خاصة بالنظر إلى حقيقة أن هذه، أولا وقبل كل شيء، أيديولوجية وليست هيكل- هو أمر ساذج.

الصحف الفرنسية كشفت عن زعيم "الذئاب الرمادية" في فرنسا، وهو تركي يبلغ من العمر 23 عاما من أصل فرنسي، وأصله من بورغ أون بريس يدعى أحمد شيتين.

في الصيف، قاد أحمد شيتين احتجاجات في ديسين شارب لدعم أذربيجان في الحرب ضد أرمينيا. ثم قال على صفحته على منصة التواصل الاجتماعي "انستغرام".

"فلتعطيني الحكومة (التركية) 2000 يورو وسلاحا، وسأفعل ما يلزم في أي مكان في فرنسا".

لماذا حُظر القوميين الأتراك في فرنسا

كان أحمد شيتين هو الذي أطلق على ليون بعد ذلك اسم العاصمة غير الرسمية لـ "الذئاب الرمادية".

"كل واحد يعتني بمدينته. نحن، نحن نعتني بليون. في مارسيليا هناك عدد كبير جدا من عناصر حزب العمال الكردستاني والكثير من الأرمن".

في الواقع، إذا نظرنا إلى الخريطة، فإن معظم المذابح والاضطرابات التي يشارك فيها القوميون الأتراك تقتصر على دائرة نصف قطرها 40 كيلومترا حول ليون.

حتى أن المجلس التنسيقي للمنظمات الأرمنية في فرنسا أعلن أن "الذئاب الرمادية" بدأت في استهداف الأرمن.

حلقة تعليمية "كيفية إثارة عش الدبابير"

تبدو فرنسا اليوم وكأنها عش دبابير مثار: في حين أن الناس، يستعدون للحجر الصحي الكامل وحصار كوفيد في نوفمبر، فإن الوضع داخل البلاد يتم تسخينه من قبل الأقليات. وفي هذه المواجهة، كان الفرنسيون العاديون هم الضحايا الرئيسيون.

الأتراك، الذين أعلنوا في كل زاوية أنهم أكثر المدافعين الحقيقيين عن الإسلام، لم يتمكنوا من المرور بجانب هذه الفوضى وعدم المشاركة بها.

بالنظر إلى عواقب نشر الكاريكاتير، وفي أي وقت حدث، من المضحك اعتبار هذا مصادفة. خاصة إذا لاحظنا أن المذابح الانتقامية لم تلمس مكتب تحرير "شارلي إبدو" أو على الأقل المباني الإدارية، بل الكنائس الكاثوليكية والأضرحة الأرمنية.

المذابح التركية في فرنسا، والمظاهرات واسعة النطاق ضد الفرنسيين في جميع أنحاء العالم، والضغط على الجالية الأرمنية، لا يمكن أن يكون عرضيا.

تجمع أنقرة بين المفيد والمتعة: فبينما تقوم باكو بالمبادرة في ساحة المعركة في ناغورني كاراباخ، تنفذ "الجيوب" القومية مذابح وأعمال شغب في البلدان المدافعة عن الأرمن، لان شعوب هذه الدول لا تسمح  لهم بالتدخل وتنفيذ الخطط التركية في القوقاز.