مصر تستعد لخيار الحرب في حال عدم التوصل الى اتفاق مع اثيوبيا

مصر تستعد لخيار الحرب في حال عدم التوصل الى اتفاق مع اثيوبيا

لأول مرة ومنذ بدء المفاوضات بين مصر والسودان من ناحية واثيوبيا من ناحية أخرى للتوصل الى اتفاق “سلمي” حول ملء خزانات سد النهضة يلجأ الرئيس المصرالى لهجة التهديد القوية، ويؤكد انه لن يسمح لأي احد "بأخذ نقطة مياه واحدة من حصة مصر، والا ستشهد المنطقة حالة من عدم الاستقرار لا يتخيلها احد"، والتفسير الوحيد لهذا الكلام "انها الحرب" التي لا يتحقق عدم الاستقرار الا بإشغال فتيلها.

اطلق  الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي هذه التصريحات اثناء زيارته للإسماعيلية البارحة 30 آذار على خلفية حل أزمة الناقلة العالقة في قناة السويس ، وقال إنه خلال الأسابيع المقبلة سيكون هناك  تحرك إضافى في أزمة السد الإثيوبي، متمنيًا الوصول لاتفاق قانوني ملزم بشان ملء وتشغيل السد، مؤكدًا أن مصر في معركة تفاوض، والرأي العام العالمي يرى أن مصر جادة في التفاوض بشكل يحقق الكسب للجميع.

وشدد على أن ما تطلبه مصر أمر لا يخرج عن القوانين والمعايير الدولية المعمول بها في التعامل مع هذه الإجراءات والمياه العابرة للحدود.

الرئيس السيسي هدد "بأن يد مصر طويلة، ولا يتصور احد انه بعيد عن قدراتنا.. مياه مصر لا مساس بها، والمساس بها خط احمر وسيكون رد فعلنا في حال المساس بها الاقدام على امر سيؤثر على استقرار المنطقة".

تغيرت نبرة حديث الرئيس المصري بعدما قال العام الماضي إن بلاده حريصة على التعامل مع أزمة سد النهضة من خلال التفاوض لا الخيار العسكري، داعياً الإعلام المصري إلى عدم الحديث عن عمل عسكري محتمَل.

مصر تستعد لخيار الحرب في حال عدم التوصل الى اتفاق مع اثيوبيا

ما الذي دفع السيسي الى التهديد بهذه الطريقة ؟

منذ العام 2011، تتفاوض مصر والسودان وإثيوبيا للوصول إلى اتّفاق حول ملء سدّ النهضة الذي تبنيه أديس أبابا وتخشى القاهرة والخرطوم آثاره عليهما.وكانت الأطراف الثلاثة قد توصلت الى توقيع اتفاق "اعلان المبادئ " او ما يسمى ب"وثيقة سد النهضة" وهو عبارة عن 10 مبادئ تلتزم بها الدول الثلاث بشأن سد النهضة .

المبدأ العاشر فيه يقضي بأن "تقوم الدول الثلاث بتسوية منازعاتهم الناشئة عن تفسير أو تطبيق هذا الاتفاق بالتوافق من خلال المشاورات أو التفاوض وفقاً لمبدأ حسن النوايا. إذا لم تنجح الأطراف في حل الخلاف من خلال المشاورات أو المفاوضات، فيمكن لهم مجتمعين طلب التوفيق، الوساطة أو إحالة الأمر لعناية رؤساء الدول/رئيس الحكومة".

أعلنت أديس أبابا في 21 تموز (يوليو) 2020 أنها أنجزت المرحلة الأولى من ملء الخزان البالغة سعته 4,9 مليار متر مكعب والتي تسمح باختبار أول مضختين في السد. ثم أعلنت انتهاء المرحلة الأولى من ملء خزان السد.وبحسب تصريحات الرئيس الأسبق لقطاع الموارد المائية بوزارة الري المصرية عبد الفتاح مطاوع ل "سبوتنك",  "لم تشعر مصر بأي مشاكل في الملء الأول للسد العام الماضي نظرا لوفرة الأمطار والفيضان، لكن المشكلة تكمن في سنوات الجفاف العالية، ونسعى إلى عدم قيام أديس أبابا بالملء الثانى قبل التوصل إلى اتفاق ملزم تجنبا للمخاطر السلبية على كل من مصر والسودان".

وقال مطاوع: "عندما وقعت مصر والسودان على اتفاق المبادئ مع إثيوبيا لم يكن لديهما أي مشكلة في أن تقوم إثيوبيا بتوليد الكهرباء بشرط أن يكون هناك إطار قانوني ملزم بعمليات الملء والتشغيل والإدارة، وبدأت أديس أبابا في تنفيذ الشق الأول من الاتفاق وهو البناء وتنكرت لباقي البنود".

أكدت اثيوبيا عزمها على تنفيذ المرحلة الثانية من ملء بحيرة السد في تموز (يوليو) القادم دون الاتفاق مع مصر والسودان .وهو ما يعني ان اثيوبيا ترفض الوساطة و تسعى لفرض امر واقع وتتجنب التوصل الى اتفاق قانوني ملزم لقواعد ملئ وتشغيل السد.

كانت اثيوبيا  قد أبلغت  الولايات المتحدة بقرارها الحاسم، عبر مبعوثها الى السودان دونالد بوث، بأنها ستمضي قدما في المرحلة الثانية من ملء خزانات سد النهضة في موعده المحدد في تموز (يوليو) المقبل، واكد هذا الموقف ابي احمد، رئيس وزراء اثيوبيا، في كلمة له امام البرلمان.

بالأضافة  لاعلان السيد بشير عبد الرحيم المدير العام لوكالة خلق الوظائف الفنية والمهنية الحكومية بولاية بني شنقول كوموز الاثيوبية تنفيذ عملية ازالة الغابات من اجل تسهيل ملء المرحلة الثانية من سد النهضة بتكلفة تصل الى 81 مليون بر اثيوبي، وان هذه المنطقة التي سيتم تطهيرها تعطي 4854 هكتارا من الاراضي، وستنتهي عملية التطهير في عضون “شهر”.

كما بدء السودان في تفريغ خزان “جبل أولياء” جنوبي الخرطوم للحد من الآثار المتوقعة جراء الملء الأحادي لسد النهضة، ودعت وزارة الري السودانية الشعب الى اخذ الاحتياطات اللازمة حفاظا على ارواحهم.

قبل يومين وصل  المبعوثين الأمريكي (بوث) والاوربي (الكسندر روندوس) الى الخرطوم والتقيا مع الرئيس عبد الفتاح البرهان امس وبحثهما تطورات الاوضاع المتوترة على الحدود الاثيوبية السودانية، ورغبتهما في التوسط للوصول الى اتفاق دبلوماسي بشأن الخلاف حول سد النهضة.

مصر تستعد لخيار الحرب في حال عدم التوصل الى اتفاق مع اثيوبيا

وسبق تصريحات السيسي الأخيرة بيان مشترك صدر عن  وزير الخارجية المصري سامح شكري ونظيرته السودانية مريم الصادق المهدي في القاهرة , اعتبر ان "ملء المرحلة الثانية من خزان سد النهضة، يشكل تهديدا مباشرا للأمن المائي لمصر والسودان" ويأتي هذا الييان  ، في اطار استعدادات البلدين في كل المجالات للمرحلة المقبلة، وتفعيل خطط العمل التي جرى الاتفاق عليها اثناء الزيارة الخطيرة والخاطفة للرئيس السيسي قبل ثلاثة أسابيع.

كان  السيسي قد زار السودان قبل ثلاثة أسابيع  والتقى رئيس الحكومة الانتقالية عبدالله حمدوك ورئيس المجلس السيادي عبد الفتاح البرهان،وصّرح من هناك  “اتفقنا على رفض سياسة فرض الأمر الواقع وبسط السيطرة على النيل الأزرق بإجراءات أحادية لا تراعي مصالح مصر والسودان كدولتي مصب، عبر تنفيذ المرحلة الثانية من ملء سد النهضة دون التوصل الى اتفاق”.

أتت زيارة السيسي بعد أيام من زيارة لرئيس هيئة أركان القوات المصرية الفريق محمد فريد للخرطوم وتوقيعه مع نظيره السوداني الفريق أول محمد عثمان الحسين اتفاق تعاون عسكري يغطي مجالات التدريب وتأمين الحدود بين البلدين.

وبحسب صحيفة  “رأي اليوم” بالإعتماد على مصادر مصرية عالية المستوى، تفيد بأن السلطات العسكرية المصرية أقدمت على ثلاث خطوات في الأسابيع القليلة الماضية في اطار التحضير للخيار العسكري الذي بات يتقدم على الخيارات الدبلوماسية وبشكل متسارع:

الأول: ارسال أنظمة دفاع جوي الى السودان لحماية اجوائه من أي رد فعل عدواني اثيوبي.

الثاني: ارسال مستشارين عسكريين مصريين للتمركز في منطقة الحدود السودانية الاثيوبية المتوترة حاليا، ومساعدة القوات السودانية.

الثالث: ايفاد خبرات لدراسة “طوباغرافيا” المنطقة الحدودية السودانية الاثيوبية القريبة من سد النهضة (على بعد 25 كم)، ووضع الخرائط اللازمة تحسبا لتوسع دائرة الصراع، او اللجوء الى الخيار العسكري.

ونفت المصادر نفسها ارسال أي طائرات حربية مصرية الى السودان لأنه سيسهل رصدها عبر الأقمار الصناعية، ولكن هذا الاحتمال غير مستبعد كليا، والامر يتعلق بكيفية التطورات.

مصر تستعد لخيار الحرب في حال عدم التوصل الى اتفاق مع اثيوبيا

قال السفير صلاح حليمة مساعد وزير الخارجية الأسبق و رئيس المجلس المصري للشؤون الافريقية في تصريح ل"قناة الغد" حول تصريحات السيسي الأخيرة , قال ان هذه التصريحات جائت "كتحذير وكرد فعل على التصرفات الأحادية التي تنتهجها اثيوبيا في محاولة فرض امر واقع وتجنب التوصل الى اتفاق قانوني ملزم لقواعد ملئ وتشغيل السد".  وأضاف ان "الأسلوب الاثيوبي فيه نوع من التهديد والعدوان الذي يبرر لمصر حق الدفاع عن النفس , المجتمع الدولي يجب ان يضغط على اثيوبيا وفي حال عدم قبول الوساطة  سيتم اللجوء الى مجلس الأمن وتطبيق بنود الفصل السابع وهو ما يعطي مصر حق الدفاع عن النفس".

ملء خزانات سدّ النهضة بشَكلٍ كامل في غُضون العامين القادمين، ودون اتّفاق، يعني تهديد 20 مِليون سوداني، وأكثر من 5 ملايين أسرة مِصريّة بخطر الموت جُوعًا، علاوةً على فيضانات وتدمير للسّدود السودانيّة، وتخفيض إنتاج كهرباء السّد العالي إلى النّصف إن لم يَكُن أكثر وتقليص الثّروة السّمكيّة في بُحيرته إلى مُعدّلاتٍ خطيرة.

مصر لا تريد الحرب ولكن يبدو ان الرئيس المصري يئس من إمكانية الوصول لحل سلمي عبرالوساطات الافريقية والأمريكية، وتوصل الى قناعة بأن اثيوبيا تكسب الوقت، ولم يبق الا شهرين تقريبا على موعد المرحلة الثانية من بدء ملء خزانات السد، واراد ان يوجه رسالة واضحة لأمريكا واوروبا ومبعوثيهما بأنه لن يتردد في اللجوء للحل العسكري خاصة بعد ان اطمئن للأوضاع في ليبيا، و وجود اجواء “مصالحة” مع تركيا، كما بات السودان يقف بالكامل حكومة وشعبا في الخندق المصري لأنه يواجه تهديدا وجوديا أيضا.