مقابلة مع رئيس الجالية اللبنانية في سانت بطرسبورغ الدكتور جواد صباح

 

  أجرت وكالة الانباء الفيدرالية لقائا مع رئيس الجالية اللبنانية في سانت بطرسبورغ الدكتور جواد صباح. فيما يلي النص الكامل له.

سؤال: قبل اسبوعين اجرينا حوارا في هذا الاستوديو مع الدكتور مسلم شعيتو رئيس المركز العربي – الروسي في سانت بطرسبورغ، ولقد حدثنا مطولا حينها عن الوضع في لبنان، لكن نحن نعرف ان الوضع في لبنان يتغير باستمرار والاحداث فيه تتطور بشكل ديناميكي سريع خصوصا اقتصاديا، وكذا سياسيا. لذلك دكتور جواد ممكن ان تحدثنا عن آخر التطورات في لبنان الاقتصادية، السياسية والاجتماعية؟

جواب: للأسف الشديد ليس هناك أخبارا سارة أستطيع التحدث عنها، فيما يخص الوضع في لبنان، فالامور هناك تسير من سيء الى أسوء، الاقتصاد انهار تماما، العملة المحلية انهارت كليا، الوضع المعيشي للناس اصبح لا يطاق، الحكومة لم تتشكل، مما يعني ان الازمة السياسية لم تنتهي بعد، لا بل زاد وضعها تأزما. الناس وصلوا الى مرحلة البؤس وفقرهم يزيد باستمرار. للأسف الشديد الامور تراوح مكانها في لبنان لان ازمته لا يمكن للبنانيين حلها بانفسهم، لان الحل سيأتي من الخارج كما حصل في الطائف عام 1990 عندما جلس جميع الفرقاء حينها ووقعوا اتفاقا أنهى الحرب الاهلية التي استمرت لاكثر من 15 سنة في يوم واحد. كذلك الان الازمة لن تحل من دون قرارا خارجيا، فهذا سعد الحريري مازال حتى الآن غير قادر على تشكيل الحكومة رغم مرور عدة اشهر على تكليفه بتشكيلها من قبل رئيس الجمهورية. هذا ان دل على شيء فانما يدل على ان لبنان لا يملك قرارا مستقلا وقراره دائما ينبع من وصايات خارجية اقليمية ودولية.

سؤال: من هي الاطراف او الدول التي تؤثر على القرار اللبناني؟

جواب: سابقا عندما وقعت اتفاقية الطائف كانت السعودية هي اللاعب الاكبر في لبنان بتفاهم مع بعض الدول العظمى كالولايات المتحدة وفرنسا، اما الآن فاصبح هناك اضافة لهذه الدول، دول أخرى كايران، تركيا وغيرها، برأي انه اذا لم تتفق هذه الدول المؤثرة على ايجاد حل للأزمة اللبنانية، لن يكون هناك حلا لها.

سؤال: في السابع والعشرين من شهر مارس/أذار الماضي وقع اتفاق بين الصين وايران، اعتبره الخبراء اتفاقا استراتيجيا شمل مختلف المجالات – الاقتصادية، العسكرية، والمالية وغيرها، قال عنه بعض المراقبين الغربيين بانه سيقلب الاوضاع في منطقة الشرق الاوسط وسيخلق مشاكل كثيرة للامريكان ولمشاريعهم في المنطقة. هل سينعكس هذا الاتفاق على الوضع في لبنان، وان كان سينعكس فهل سيكون انعكاسه ايجابيا، أم سلبيا؟.

جواب: القوى السياسية في لبنان مقسومة الى قسمين، فريق يريد الاتجاه شرقا وتعزيز العلاقة مع الصين وفريق يريد الاتجاه غربا وتعزيز العلاقة مع الولايات المتحدة والدول الاوروبية، هذا الانقسام هو موجود منذ زمن بعيد. ما أريد قوله هنا ان النفوذ الصيني في العالم يتزايد باستمرار وهناك العديد من الدول التي ترغب في تطوير علاقاتها مع الصين وتوسيعها. الاتفاق الصيني – الايراني يصب ايضا في هذا الاطار. وهو اكيد سيوسع دور الصين في منطقة الشرق الاوسط وسيخلق مشاكل للأمريكان. قيمة الاتفاق حوالي 400 مليار دولار تشمل مشاريع على مختلف الصعد: مصانع، طرق، مرافىء، بنية تحتية وغيرها داخل ايران، مقابل النفط الايراني. الاتفاق طبعا مفيد للجانبين، فالصينيون سيستثمرون اموالا طائلة فيه، اما  بالنسبة لايران فهو مخرجا لها يساعدها على التخفيف من الحصار المضروب عليها من قبل الامريكان وحلفائهم. هناك الآن نوع من التفاهم بين روسيا، الصين وايران في العالم لاعاقة التحركات الاميركية على الصعيد الدولي واضعاف النفوذ الاميركي من اجل خلق عالم متعدد الاقطاب، كما قال الرئيس بوتين: "ان العالم يجب ان يكون متعدد الاقطاب". برأي هذا امر جيد وسيجلب الخير الى العالم وسيسرع في ايجاد حل للكثير من المشاكل والقضايا العالمية، التي آمل ان تكون من بينها المشكلة اللبنانية التي قد يساعد الاتفاق اليراني – الصيني على حلها عبر جلب المزيد من الاستثمارات الخارجية الى لبنان التي ستخفف من الازمة الاقتصادية وستزيد عدد القوى السياسية اللبنانية المطالبة بالاتجاه شرقا.

سؤال: برأيك ان الاتجاه شرقا سيخلق نوعا من الازدهار الاقتصادي في البلاد؟

جواب: نعم، فالصين دولة غنية وتمتلك امكانيات كبيرة وقدرة على الاستثمار، فمن الممكن مثلا ان تعمل على اعادة اعمار مرفىء بيروت المدمر.

سؤال: لكن، اعادة اعمار ميناء بيروت تحتاج الى قرار دولي او اقليمي على الاقل. اليس كذلك؟

جواب: نعم، لكن في النهاية القرار الاخير يعود لنا نحن اللبنانيون. جميع دول المنطقة حتى السعودية والامارات لهم علاقات اقتصادية وتجارية متطورة مع ايران، حتى ان التبادل التجاري بين هاتين الدولتين والصين يفوق حجم التبادل التجاري بينها وبين ايران. لذلك ليس عيبا او جريمة اذا ما وسع لبنان علاقاته الاقتصادية مع الصين.

سؤال: بنائا على ما تفضلت وذكرت، يمكننا القول ان الصين يمكن ان تدخل الى السوق اللبنانية من خلال ايران؟

جواب: نعم، هذا صحيح فمعروف ان ايران تلعب دورا كبيرا في لبنان ولها نفوذ واسع فيه.

سؤال: تناقلت وكالات الانباء معلومات تفيد ان حوالي 50 الف جرعة من لقاح "سبوتنيك في" الروسي قد وصلت الى لبنان، وان هذه الجرعات لم تكن مجانية بل اشتراها بعض رجال الاعمال اللبنانيين، معروف ايضا ان وزير الصحة اللبناني سيصل قريبا الى موسكو في زيارة رسمية وذلك لدراسة امكانية ارسال المزيد من اللقاح الروسي، برأيك هل سترسل روسيا المزيد من الجرعات الى لبنان بعد الزيارة؟

جواب: اليوم الاول من أبريل/نيسان روسيا استأنفت رحلاتها الجوية مع سوريا ويتوقع ان تستأنفها قريبا مع لبنان، في حال استأناف هذه الرحلات سيكون من السهل نقل جرعات اللقاح من موسكو الى بيروت مباشرة، لذلك نتوقع جميعنا حصول هذا الامر في الوقت القريب، خصوصا ان روسيا اصبحت في الاونة الاخيرة تبدي اهتماما في الوضع اللبناني.

سؤال: هل برأيك ان موضوع اللقاح وتزويد روسيا للبنان فيه سيكون بداية لتطوير العلاقات الاقتصادية وربما السياسية بين البلدين؟

جواب: ممكن، خصوصا بعد توقيع الاتفاق الصيني – الايراني. لكن ما اريد ذكره هنا ان روسيا تمتلك علاقات جيدة منذ زمن بعيد مع جميع الاطراف اللبنانية بغض النظر عن اتجاهاتهم السياسية.

سؤال: سانتقل للحديث عن موضوع آخر. بصفتك رئيس الجالية اللبنانية في سانت بطرسبورغ ممكن ان تحدثنا عن وضع اللبنانيين والعرب بشكل عام في المدينة وخصوصا الطلبة اللذين عانوا من مشاكل كثيرة نتيجة لجائحة كورونا؟

جواب: كما تاثر الجميع بجائحة كورونا تأثر فيها ايضا اللبنانيون والعرب المقيمون في مدينة سانت بطرسبورغ. معروف ان معظم العرب المقيمين في المدينة يمارسون الاعمال الحرة الصغيرة فهم في معظمهم يعملون او يملكون مطاعم صغيرة للأكل السريع او للتجارة بالمواد الغذائية. معروف ايضا ان معظم المطاعم أجبرت على الاغلاق بسبب جائحة كورونا مما تسبب في افلاس الكثير من العرب بالمدينة. بالنسبة للطلاب فان وضعهم اسوء وخصوصا اللبنانيين، لانهم يعتمدون على التحويلات المالية التي كان ذوي امرهم يحولونها لهم. الآن وبسبب الازمة الاقتصادية في لبنان وانهيار سعر صرف العملة المحلية واغلاق المصارف، لم يعد ذوي امر الطلاب قادريين على تحويل اي مبلغ مالي لهم، بسبب معانات ذوي الامر انفسهم. فمثلا الموظف اللبناني كان يحصل قبل بداية الازمة الاقتصادية لو افترضنا على مبلغ مليون ليرة  لبنانية شهريا اي ما يعادل 700 دولار اميركي، الآن هو ايضا يحصل على نفس المبلغ لكن هذا المبلغ اصبح اقل من مائة دولار، فكيف سيستطيع هذا الشخص تحويل اموال الى ابنه الذي يدرس في الخارج؟ موضوع الطلبة اللبنانيينن موضوع معقد ويحتاج الى قرار حكومي يسمح بتحويل العملة الى الطلاب في الخارج بالسعر الرسمس لليرة اللبنانية اي 1500 ليرة للدولار الواحد، اذا لم يتخذ قرارا بهذا النوع لن تحل ازمة الطلاب. وسيضطر الكثيرون منهم الى مغادرة روسيا والعودة الى لبنان دون متابعة الدراسة. هناك الكثير من الطلاب اللذين عادوا الى لبنان فور بدء أزمة الكورونا ولم يعودو الى روسيا لمتابعة الدراسة بسبب الازمة المالية التي يعاني منها ذوي أمرهم، كذلك هناك قسما كبيرا غادروا روسيا في شهر مارس/اذار الماضي بعدما وصلوا الى مرحلة كانوا لا يستطيعون حتى ايجاد ثمنا لغذائهم، فكانت الجالية اللبنانية تجمع لهم المال من اعضائها لتأمين بدل الغذاء لهم، هؤلاء ايضا لن يعودو الى مقاعده الدراسة.

سؤال: في حال عدم عودة هؤلاء الطلاب الى جامعاتهم في الوقت المحدد، اي قبل بدء الفصول الدراسية، هل سيتم فصلهم؟

جواب: المشكلة الاساسية التي نواجهها هي مشكلة الطلاب اللذيثن يدرسون في المدينة على حسابهم الخاص وهم الاكثرية، فعلى هؤلاء اضافة لدفع رسوم الدراسة في الجامعات، دفع بدل ايجار للسكن الطلابي، اضافة الى تكاليف المعيشة من أكل وشرب ومواصلات وما الى ذلك من متطلبات الحياة. هذه المصاريف لا يستطيع اي موظف لبناني مهما كان راتبه الشهري تأمينها بسبب انهيار سعر صرف العملة اللبينانية كما ذكرت سابقا. المشكلة اخف بالنسبة للطالب الحاصل على منحة دراسية من الدولة الروسية فعلى هذا الطالب فقط تأمين تكاليف المعيشة من أكل وشراب وهذا امر اقل وطأة وبالتالي هناك احتمال ان يتابع هؤلاء الطلبة دراستهم. اما اولئك اللذين يدرسون على حسابهم فاعتقد انهم لن يتابعو الدراسة.

سؤال: كم عدد الطلاب اللبنانيين اللذين يدرسون في سانت بطرسبورغ؟

جواب: حوالي مائة طالب.

سؤال: هل جميعهم يعانون من هذه المشاكل؟

جواب: نعم، لكن اكثريتهم موجودين حاليا في لبنان واعتقد انهم لن يعودو.

سؤال: اعتقد ان ما يعاني منه الطلبة اللبنانيون يعاني منه الطلبة العرب الآخرين مثل السوريون اللذين وضع عملتهم لا يختلف عن وضع العملة اللبنانية، وكذلك الفلسطينيون القادمون من قطاع غزة والضفة الغربية وغيرهم من العرب، اليس كذلك؟

جواب: نعم صحيح.

سؤال: كم عدد الطلاب العرب في سانت بطرسبورغ؟

جواب: تحديدا لا اعرف عددهم، لكن كل ما اعرفه ان عددهم كبير، جميعهم طبعا عانوا من جائحة كورونا، لكن الطلبة اللبنانيين لم يعانوا فقط من هذا الموضوع، معاناتهم الاساسية كانت بسبب انهيار العملة المحلية الذي وصلت نسبة انهيارها الى 1000% وبشكل سريع ومفاجىء. لم تعاني اي دولة عربية او غير عربية في العالم من ازمة كالازمة التي يعاني منها لبنان، هذا الامر انعكس على جميع اللبنانيين بما فيهم الطلبة.

شكرا دكتور جواد على حضورك الى استوديوهاتنا ونتمنى لقائك من جديد.